السيد هاشم البحراني
170
البرهان في تفسير القرآن
همت به وهم بها ، قامت إلى صنم في بيتها ، فألقت عليه ملاءة « 1 » لها ، فقال لها يوسف : ما تعملين ؟ قالت : القي على هذا الصنم ثوبا لا يرانا ، فإني أستحي منه ، فقال يوسف : فأنت تستحين من صنم لا يسمع ولا يبصر ، ولا أستحي أنا من ربي ؟ ! فوثب وعدا ، وعدت من خلفه ، وأدركهما العزيز على هذه الحالة ، وهو قول الله تعالى : * ( واسْتَبَقَا الْبابَ وقَدَّتْ قَمِيصَه مِنْ دُبُرٍ وأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) * . فبادرت امرأة العزيز ، فقالت للعزيز : * ( ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * فقال يوسف للعزيز : * ( هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) * فألهم الله يوسف أن قال للملك : سل هذا الصبي في المهد ، فإنه يشهد أنها راودتني عن نفسي ، فقال العزيز للصبي ، فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف ، حتى قال : * ( إِنْ كانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وإِنْ كانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) * فلما رأى قميصه قد تخرق من دبر قال لامرأته : * ( إِنَّه مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) * ثم قال ليوسف : * ( أَعْرِضْ عَنْ هذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) * وشاع الخبر بمصر ، وجعل النساء يتحدثن بحديثها ويعذلنها « 2 » ويذكرنها ، وهو قوله تعالى : * ( وقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِه قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) * » . 5268 / [ 41 ] - علي بن إبراهيم ، قال : وفي رواية أبي الجارود ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قوله : * ( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) * يقول : « قد حجبها حبه عن الناس ، فلا تعقل غيره » والحجاب : هو الشغاف ، والشغاف : هو حجاب القلب . 5269 / [ 42 ] - ثم قال علي بن إبراهيم : فبلغ ذلك امرأة العزيز ، فبعثت إلى كل امرأة رئيسة ، فجمعتهن في منزلها ، وهيأت لهن مجلسا ، ودفعت إلى كل امرأة أترجة وسكينا . فقالت : اقطعن . ثم قالت ليوسف : اخرج عليهن - وكان في بيت - فخرج يوسف عليهن ، فلما نظرن إليه ، أقبلن يقطعن أيديهن ، وقلن كما حكى الله عز وجل : * ( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ) * أي أترجة * ( وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَه أَكْبَرْنَه ) * إلى قوله : * ( إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) * . فقالت امرأة العزيز : * ( فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه ) * أي في حبه * ( ولَقَدْ راوَدْتُه عَنْ نَفْسِه ) * أي دعوته * ( فَاسْتَعْصَمَ ) * أي امتنع ، ثم قالت : * ( ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُه لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) * فما أمسى يوسف في ذلك اليوم « 3 » حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها ، فضجر يوسف ، فقال : * ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه وإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ) * أي حيلتهن * ( أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ) * أي : أميل إليهن . وأمرت امرأة العزيز بحبسه ، فحبس في السجن .
--> 41 - تفسير القمّي 1 : 357 . 42 - تفسير القمّي 1 : 343 . ( 1 ) الملاءة : كل ثوب ليّن رقيق « مجمع البحرين 1 : 398 » . ( 2 ) في المصدر : ز يعيّرنها . ( 3 ) في المصدر ، و « ط » نسخة بدل : البيت .